الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

104

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجزاء عليها ، قال تعالى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [ النساء : 49 ] وقال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 - 8 ] . وإيثار هذه المادة وهذه الصيغة يسمح باندراج معان صالحة بهذا المقام فيكون ذلك من الإيجاز البديع لتذهب نفوس السامعين كل مذهب ممكن من مذاهب الهول والتخويف بما يحق حلوله بهم . فيجوز أيضا أن تكون الْحَاقَّةُ وصفا لموصوف محذوف تقديره : الساعة الحاقة ، أو الواقعة الحاقة ، فيكون تهديدا بيوم أو وقعة يكون فيها عقاب شديد للمعرّض بهم مثل يوم بدر أو وقعته وأن ذلك حق لا ريب في وقوعه ؛ أو وصفا للكلمة ، أي كلمة اللّه التي حقت على المشركين من أهل مكة ، قال تعالى : كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ [ غافر : 6 ] ، أو التي حقّت للنبي صلى اللّه عليه وسلم أنه ينصره اللّه ، قال تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ [ الصافات : 171 - 174 ] . ويجوز أن تكون مصدرا بمعنى الحق ، فيصح أن يكون وصفا ليوم القيامة بأنه حق كقوله تعالى : وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [ الأنبياء : 97 ] ، أو وصفا للقرآن كقوله : إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [ آل عمران : 62 ] ، أو أريد به الحق كله مما جاء به القرآن من الحق قال تعالى : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [ الجاثية : 29 ] وقال : إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ [ الأحقاف : 30 ] . وافتتاح السورة بهذا اللفظ ترويع للمشركين . و الْحَاقَّةُ مبتدأ و مَا مبتدأ ثان . و الْحَاقَّةُ المذكورة ثانيا خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول . و مَا اسم استفهام مستعمل في التهويل والتعظيم كأنه قيل : أتدري ما الحاقة ؟ أي ما هي الحاقة ، أي شيء عظيم الحاقّة . وإعادة اسم المبتدأ في الجملة الواقعة خبرا عنه تقوم مقام ضميره في ربط الجملة المخبر بها . وهو من الإظهار في مقام الإضمار لقصد ما في الاسم من التهويل . ونظيره في ذلك قوله تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ [ الواقعة : 27 ] . وجملة وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ يجوز أن تكون معترضة بين جملة مَا الْحَاقَّةُ